وهبة الزحيلي
130
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، فبعد أن ذكر اللّه تعالى إنجاء إسماعيل من الذبح ، ونجاة إبراهيم من النار ، ذكر هنا ما منّ به على موسى وهارون من وجوه الإنعام المحصورة في نوعين : إيصال المنافع إليهما في قوله تعالى : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ ودفع المضار عنهما في قوله تعالى : وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . التفسير والبيان : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ أي تاللّه لقد أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية . أما منافع الدنيا كما ذكر الرازي : فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما . وأما منافع الدنيا : فالعلم والطاعة ، وأعلى هذه الدرجات : النبوة الرفيعة ، المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة . وتفصيل هذه النعم في قوله تعالى : 1 - وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أي ونجيناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون إياهم ، بقتل الآباء واستحياء النساء وتشغيلهم في أخسّ الأشياء والصناعات والمهن ، كما نجيناهما مع القوم من الغرق الذي أهلك فرعون وقومه قبط مصر . 2 - وَنَصَرْناهُمْ ، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ أي نصرناهم على أعدائهم ، فغلبوهم ، وأخذوا أرضهم وأموالهم التي جمعوها طوال حياتهم ، فكانوا أصحاب الدولة بعد أن كانوا رعية أذلاء . 3 - وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ أي وأنزلنا عليهما الكتاب العظيم الواضح الجلي الشامل لأمور الدنيا والآخرة ، وهو التوراة ، كما قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ . . [ المائدة 5 / 44 ] وقال